السيد محمد حسين فضل الله

318

من وحي القرآن

بما يريده المستكبرون ، مع الرفض لهم في العمق الخفي من شخصيتهم ، حفاظا على وجودهم وعلى حريتهم في الحركة في الجوانب الأخرى ، وليتعرفوا المواقع التي يملكون فيها التخفف من الضغوط والابتعاد عن مجال التعسف ، واكتشاف الثغرات التي تتيح لهم مجال الهرب ، ليعيشوا التزاماتهم ، ويهربوا من التزامات المستكبرين ، فإن اللَّه لا يريد أن يجعل الناس المستضعفين في حرج من أمرهم ولا يفرض عليهم أن يتحملوا عناء الضغوط التي لا يتحملونها جسديا أو معنويا ، فإنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر . وفي ضوء هذا ، نعرف أن التقية ليست سقوطا تحت تأثير المستكبرين والتزاما بأوضاعهم وانسجاما مع انحرافاتهم ، بحيث ينتقلون من الهدى إلى الضلال ، بل هي عملية ظاهرية شكلية مرحلية تنطلق من المرونة العملية في مواجهة التحديات الكبرى التي تطبق على الإنسان الضعيف بحيث تتحدى وجوده أو ما يمثل المصادرة لحريته الإنسانية في وجوده ، ويبقى يعيش في نفسه الرفض للظلم وأهله ، وللكفر ودعاته ، وللاستكبار وقادته ، رفضا يثير في نفسه المواجهة النفسية العقلية التي تكبر في عقله لتعود حيّة فاعلة في حركته عندما تتبدل الظروف وتتغير المواقف والمواقع . إنها الأسلوب الواقعي العملي في حماية الموقف الكبير على مستوى الهدف على حساب الموقف الصغير في حركة الوسيلة ، وهذا أسلوب إنساني عقلائي يرخص للإنسان الوقوع في المفسدة المهمّة إذا عارضتها المصلحة الأهم ، على قاعدة التزاحم التي تقرر تقديم الأهم في الحسابات العملية وإسقاط المهم وتجميده في مرحلة معينة . وفي هذا الجو ، نعرف أن التقية تتحرك حيث يشتد الضغط ليصل إلى المستوى الأعلى ، وتكبر المصلحة في موقع الأهمية ، وتتجمد حيث تكون